صفحة جديدة 1

العودة   منتديات أوفاز الأدبية > أقسام أوفاز الأدبية > أوراق نقــديـــة > الدراسات النقدية


التنبيهات الإدارية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-28-2010, 02:34 PM   رقم المشاركة : 1
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني

عبد القاهر الجرجاني: حياته وثقافته‏

هو أبو بكر عبد القاهر عبد الرحمن، فارسي الأصل، شافعي المذهب متكلم على طريقة الأشعري.
ولد في بيئة علمية مزدهرة في جرجان وبقي فيها لا يبرحها حتى وفاته سنة إحدى ـ وقيل أربع وسبعين وأربعمائة ـ
ولهذا لم يتتلمذ إلا علي أبي الحسين بن الحسن الفارسي النحوي، الذي رحل إلى جرجان.
ولكن الجرجاني لم يكتف بما أخذه عن أستاذه بل أكثر من قراءة ومطالعة مؤلفات النحاة
والأدباء العرب وما وصل إليه من كتب الثقافة اليونانية وأدام النظر في هذه المؤلفات حتى أصبح من أكابر أئمة العربية.‏
وللجرجاني تصانيف كثيرة في البلاغة والنحو والتفسير.
من أشهرها في البلاغة كتاب دلائل الإِعجاز وكتاب أسرار البلاغة، وبهذين الكتابين استطاع أن يرسي
أسس نظريتي علم المعاني وعلم البيان، وبهما احتل مكانة كبيرة في تاريخ البلاغة العربية.‏

أسباب إنشاء نظرية النظم‏

نزل القرآن الكريم على العرب وهم البلغاء والفصحاء فأدهشهم، وأثار فيهم الجدل.
وهم على اختلاف مواقفهم وأهوائهم مما جاء فيه، أعجبوا وأدهشوا ببلاغته وجمالية أسلوبه وحاروا بأمر القرآن،
فهو من كلامهم، وجار على أساليبهم وبين ظهرانيهم من الفحول المفلقين ومن الشعراء المجيدين ومع ذلك وقفوا
عاجزين أمامه لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله. وتفكروا بأمر إعجازه، وامتد الحديث عن الإِعجاز وتشعب
خاصة في العصر العباسي، وتعددت الآراء وتناقضت فالنظام مثلاً يرى(1) "إن الآية والأعجوبة في القرآن ما فيه
من الإِخبار عن الغيوب فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله منعهم بمنع وعجز
أحدثهما فيهم". وقد خالف النظام تلميذه الجاحظُ في أن الإِعجاز ناجم عن صرف الله للعرب عن معارضة القرآن،
ورأى أن الإِعجاز متصل بنظم القرآن وتأليفه. والبعض رأى مع الباقلاني أن القرآن كان معجزاً(2)
"لأن نظمه خارج عن جميع وجوه النظم المعتادة في كلامهم ومباين لأساليب خطابهم".‏
ولقد نتج عن التفكير في أمر الإِعجاز وإلى أي وجه يرد بروز قضية كان لها خطرها في الفكر
والنقد العربيين وهي قضية اللفظ والمعنى. فالبعض عزا الإِعجاز إلى اللفظ والبعض الآخر رده إلى المعنى.
وجاء عبد القاهر فراعه غلبة الاتجاه إلى الشكل وتفضيل اللفظ حتى كاد أن يكون هو كل شيء،
ورأى أن هذه القضية زاد اللغط والغلط فيها، فعزم على دحض هذه الآراء بالحجة والبرهان فألف كتاب
دلائل الإِعجاز الذي عرض لنظرية النظم وبين فيه أن الإعجاز ناجم عن النظم. فالنظم وحده هو الجهة
التي جاء منها الإِعجاز. لقد كان إثبات إعجاز القرآن على الوجه الذي فهمه الجرجاني هو السبب
الرئيسي في إنشائه لنظرية النظم، فهو رجل دين، مخلص لعقيدته قبل كل شيء. ونلمح من كلام الجرجاني
وخاصة في المقدمة سبباً آخر لا يرتقي بالطبع للسبب الأول بل قد يكون سبباً منه أو فرعاً عنه،
وهو رغبته في تصحيح ما ساد عند كثير من الناس من مفاهيم خاطئة عن علم البيان وعن الشعر والإِعراب.
فقد راعه حصر كثير من الناس لعلم البيان في علم اللغة وربطهم إياه بالمظاهر السطحية وبالخطابة
والتزيد من الغريب ووحشي الكلام، ورأى ا لناس يميلون عن النحو والشعر لظنهم أنه ليس وراء الشعر كثير طائل،
وأن النحو ضرب من التكلف فكل ما زاد على معرفة الرفع والنصب وما يتبع ذلك من المبادئ فهو زائد لا يجدي نفعاً.
يقول الجرجاني(3): "إنك لا ترى علماً هو أرسخ أصلاً، وأبسق فرعاً، وأحلى جنى وأعذب ورداً، وأكرم نتاجاً،
وأنور سراجاً من علم البيان... إلا أنك لن ترى على ذلك نوعاً من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه،
ومني من الحيف بما مني به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم
اعتقادات فاسدة، وظنون ردية، وخطأ فاحش ترى كثيراً منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإِشارة بالرأس
والعين وما نجده للخط والعقد... فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات، عربية كانت أو فارسية،
وعرف المغزى من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق بها وعلى تأدية أجراسها وحروفها فهو بين في تلك
اللغة كامل الأداة بالغ البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه... وجملة الأمر: أنه لا يرى النقص يدخل على
صاحبه في ذلك إلا من جهة نقصه في علم اللغة لا يعلم أن هاهنا دقائق وأسراراً طريق العلم بها الروية والفكر،
ولطائف مستقاها العقل وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا فيها، وأنها السبب في أن عرفت المزية في الكلام
ووجب أن يفضل بعضه بعضاً حتى ينتهي الأمر إلى الإِعجاز وإلى أن يخرج عن طوق البشر. ولما لم تعرف هذه الطائفة
هذه الدقائق وهذه الخواص واللطائف لم تتعرض لها ولم تطلبها. ثم عنَّ لها بسوء الاتفاق رأي صار حاجزاً بينها
وبين العلم بها وسداً دون أن تصل إليها، وهو إن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها وعليه المعول،
وفي علم الإِعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى أصولها ويبين فاضلها من مفضولها فجعلت تظهر
الزهد في كل واحد من النوعين وتطرح كلاً من الصنفين، وترى التشاغل عنهما، أولى من الاشتغال بهما،
والإِعراض عن تدبرهما أصوب من الإِقبال عن تعلمهما". لقد أراد الجرجاني تصحيح هذه المفاهيم وبين أهمية الإِعراب
والشعر فالاهتمام بالشعر وفهمه طريق إلى فهم إعجاز القرآن ومن يصد عن الشعر وكأنه يصد عن معرفة حجة القرآن(4)
"إذا كنا نعلم أن الجهة التي قامت منها الحجة بالقرآن وظهرت وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة
تقصر عنه قوى البشر، ومنتهياً إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر، وكان محالاً أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر
الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب.... كان الصاد عن ذلك صاداً عن أن تعرف حجة الله تعالى".‏
وهكذا يتبين لنا أن السببين اللذين جعلا الجرجاني ينشئ نظرية النظم هما:‏
1- إثبات إعجاز القرآن عن طريق نظمه.‏
2- رغبته في تصحيح المفاهيم الخاطئة السائدة عند كثير من الناس عن علم البيان وعن الشعر والإِعراب.‏


يتبع







رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 02:36 PM   رقم المشاركة : 2
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

نظرية النظم:‏

جذورها، مفهومها، أثرها في البلاغة العربية، ومكانتها في علم اللغة الحديث.‏
بدأت الإشارة إلى فكرة النظم تظهر فيما كتبه النحاة والبلاغيون ومؤلفو كتب إعجاز القرآن منذ القرن الثاني للهجرة.
ففي حديث ابن المقفع المتوفي سنة (142هـ) عن صياغة الكلام نجده يستشعر فكرة النظم ويمسها حين يقول(5)
: "فليعلم ا لواصفون المخبرون أن أحدهم ـ وإن أحسن وأبلغ ـ ليس زائداً على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتاً
وزبرجداً ومرجاناً فنظمه قلائد وسموطاً وأكاليل، ووضع كل فص موضعه وجمع إلى كل لون شبهه وما يريده بذلك حسناً
فسمي بذلك صائغاً رقيقاً". وسيبويه تحدث عن معنى النظم وائتلاف الكلام، وكان اهتمامه(6) "بنظم الكلام وتنسيق
العبارات واضحاً في مواضع كثيرة من كتابه منها: اهتمامه بحروف العطف وأثرها في صحة النظم وفساده وتقديم
المسؤول عنه بعد أداة الاستفهام وإخبار النكرة عن النكرة".‏
وسيبويه فرق أيضاً بين الكلام المستقيم الحسن والمستقيم القبيح وهذا ما نجد مثله في كلام الجرجاني على درجات النظم.
ويبدو أن سيبويه أدرك أثر تنظيم الكلمات في المعنى الذي هو قوام النحو فشرح بعض مواضعه والوجه الذي يستقيم عليه
التعبير من مثل شرحه لقول العرب (حمداً لله وثناء عليه) و (حمدٌ لله وثناء عليه) فالأول يقال وقد وقع ما يوجب الحمد
والثاني يقال للإِنابة عن الحال التي عليها المتكلم. وبالإِضافة إلى ما قاله سيبويه نجد ملاحظات متناثرة في كتب
اللغويين تكشف عن رغبتهم في النفاذ إلى معاني الأساليب واستعمالاتها وإلى إدراك العلاقة التي تربط بين تنظيم
الكلمات واختلاف صورها بالمعنى المراد.‏
وقد شغلت مسألة النظم المتحدثين في بلاغة القرآن بشكل خاص وكان أول من تحدث عن النظم باعتباره سبب إعجاز
القرآن هو أبو عمرو الجاحظ المتوفى سنة (255هـ) فقد قال(7): "إن مرجع الإعجاز في القرآن إلى نظمه وأسلوبه
العجيب المباين لأساليب العرب من الشعر والنثر وما يطوى فيه من سجع". وللجاحظ كتاب بعنوان (نظم القرآن) لم يصل
إلينا إلا أن عنوانه يدل على أنه يبحث في نظم العبارة القرآنية. ومما يدل على شيوع فكرة النظم شيوعاً كبيراً
أن عدداً من الباحثين جعلوها عنوان البحث في العبارة القرآنية من مثل: الواسطي والقاضي والجرجاني والسجستاني
وأبي زيد البلخي وابن الإخشيد. إلا أن جميع هذه الكتب مفقودة لم تصل إلينا ولذا بقيت جميع آرائهم غير معروفة.
إلا أنني أعتقد أنهم لم يضيفوا في كتبهم أشياء هامة جديدة ولم يحدثوا تطوراً هاماً في مفهوم النظم لأنه لو حدث
ذلك لكان ظهر أثره في المؤلفات التالية وبالتأكيد كانت آراؤهم الجديدة ستناقش على صفحات المؤلفات التي تلت
زمن تأليف هذه الكتب. ومما يزيد الشك في جدة آرائهم قول الباقلاني في كتاب الجاحظ (نظم القرآن)(8): "وقد صنف
الحافظ في نظم القرآن كتاباً لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يتلبس في أكثر هذا المعنى".‏
لقد تحدث عدد من النحاة والمفسرين والبلاغيين عن نظم القرآن فقالوا: إنه سر إعجازه دون تعليل وتفسير كافٍ ومقنع
من مثل قول الطبري(9): "ومن أشرف تلك المعاني التي يفضل بها كتابنا سائر الكتب قبله نظمه العجيب ووضعه
الغريب وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة الخطباء وكلت عن وصف شكله البلغاء وتحيرت في تأليفه الشعراء".
إلا أن القاضي عبد الجبار جاء بعد ذلك فكشف سر الفصاحة والإعجاز ورد الفصاحة إلى الأسلوب والأداء والصياغة
النحوية للتعبير فقال موضحاً ومفسراً(10): "أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام
بالضم على الطريقة مخصوصة ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يحوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة
التي تتناول الضم وقد يكون بالإِعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع لأنه
إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها. ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة. ثم لا بد من اعتبار مثله
في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها."
وهكذا نرى فكرة النظم قد تطورت تطوراً ملحوظاً عند القاضي عبد الجبار. فقد أبان بعض ما كان غامضاً عند من سبقه
وكأن الذين سبقوه قد أحسوا بمعنى النظم ومفهومه ولكنهم لم يستطيعوا الإِبانة عنه، وجاء بعد ذلك عبد القاهر
الجرجاني فدرس ووعى كل ما قيل وتفكر في كلام عبد الجبار ـ وإن كان هو لا يقر بذلك ـ فكان كلام عبد الجبار الشعاع
الذي أنار له الطريق والبذرة التي أخذها برعايته ونمّاها بعبقريته وعلمه الغزير وذوقه المرهف وحدسه الصائب فإذا
بالشعاع الحيي يصبح شمساً مشرقة وإذا بالبذرة المتعطشة للحياة تصبح شجرة باسقة وارفة الظلال طيبة الجنى.
وبالإضافة لانتفاع الجرجاني بكلام القاضي عبد الجبار أشار الباحثون إلى انتفاعه ببعض آراء أرسطو في النحو
وخاصة حديثه عن أقسام الكلام وعن صحة تأليف الكلام وما ينبغي أن يراعى فيه من الروابط ومن التقديم والتأخير
ومن الاتساق بحيث لا تظهر فيه مغالطة، وما ينبغي أن يراعى في الاستفهام وفي وصل الكلام وفصله وما يجري فيه من
تقطيع ومن سجع وازدواج. وإذا كان قد استفاد من بعض آراء أرسطو ومن بعض اللفتات للنحاة واللغويين والقراء
والنقاد العرب إلا أنه استطاع أن يمنح موضوع النظم التوضيح والتفصيل والتأويل الذهني فأعاد تشكيل مادته
ووسع من دلالته ووثق الاهتمام به ونبه بقوة إلى رصيد هائل من صوره ومعانيه وانتهى إلى أن المنهج الذي يجب
أن يتخذ في النقد الأدبي هو المنهج اللغوي، المنهج النحوي(11) "على أن نفهم من النحو أنه العلم الذي يبحث في
العلاقات التي تقيمها اللغة بين الأشياء". لقد تحدث الجرجاني عن النظم بتفصيل كبير، وأراد أن يثبت مفهومه في
الأذهان فأخذ يبدىء ويعيد في شرحه إلى درجة الإِملال أحياناً. وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على تصور عبد القاهر
الجرجاني لمفهوم النظم.‏
أول ما يطالعنا به الجرجاني في كتابه دلائل الإِعجاز بعد المقدمة هو تعريفه للنظم، فالنظم عنده هو اتصال الألفاظ
وتواليها من حيث هي معان وأفكار لا من حيث هي حروف وأصوات(12) "معلوم أن ليس النظم سوى عملية تعليق الكلمة بعضها ببعض،
وجعل بعضها بسبب من بعض". ويفرق بين نظم الحروف ونظم الكلمة فيقول(13): "ومما يجب إحكامه الفرق بين قولنا
حروف منظومة وكلم منظومة وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، ليس نظمها عن معنى.. فلو أن واضع
اللغة كان قد قال "ربض" مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد وأما نظم الكلمة فليس الأمر فيه كذلك لأنك تقتفي
في نظمها آثار المعاني وترتيبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض،
وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق". إذاً النظم يكون حسب المعاني وهو أيضاً
متوقف على التركيب النحوي(14) "اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل
على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها،
وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه
التي تراها في قولك:‏
زيد منطلق وزيد ينطلق وينطلق زيد ومنطلق زيد وزيد المنطلق والمنطلق زيد وزيد هو المنطلق وزيد هو منطلق.
وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج وإن خرجت خرجت وإن تخرج فأنا خارج
وأنا خارج إن خرجت. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك:‏
جاءني زيد مسرعاً وجاءني وهو مسرع أو هو يسرع وجاءني وقد أسرع وجاءني وقد أسرع لكل من ذلك موضعه، ويجيء
به حيث ينبغي له. وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى
فيضع كلاً من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء بما في نفي الحال، وبلا إذا أراد نفي الاستقبال، وبأن فيما
يترجح بين أن يكون وأن لا يكون وبإذا فيما علم أنه كائن. وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها
من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء وموضع الفاء من موضع ثم وموضع (أو)
من موضع أم، وموضع لكن من موضع بل. ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله.
وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار. فيضع كلاً من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له.".
والخطأ في النظم عند الجرجاني يعود إلى استعمال معاني النحو استعمالاً صائباً أو خاطئاً"(15)
"فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظمه أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصفة وذلك
الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه ووحدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه"



يتبع







رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 02:38 PM   رقم المشاركة : 3
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

ولتوضيح رأيه أورد أمثلة على فساد النظم بما شاع عند النحويين والبلاغيين من مثل قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
أبو أمه حيّ أبوه يقاربه(16)
فأبرز التعقيد في هذا البيت الناجم عن الخلل في النظم وتركيب الكلام. ومثله قول المتنبي:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه
والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقول أبي تمام:
ثانية في كبد السماء ولم يكن
كاثنين ثان إذ هما في الغار
فالفساد في هذه الأبيات جميعاً في رأي الجرجاني ناجم من أن الشاعر تعاطى ما تعاطاه على غير صواب،
وصنع في تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار أو غير ذلك ما ليس له أن يصنعه لأنه لا يتفق مع أصول علم النحو.
وإذا كان السبب في فساد النظم أن لا يعمل على قوانين النحو فالصواب أن يعمل عليها, وأن لا يخرج الناظم
عن علاقات الكلم الجارية على قوانين النحو. وقد أورد الجرجاني أبيات إبراهيم بن العباس ليطبق نظريته في
جمال النظم فقال(17): "انظر إلى قول إبراهيم بن العباس
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب
وسلط أعداء وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنحوة
ولكن مقادير جرت وأمور
وإني لأرجو بعد هذا محمداً
لأفضل ما يرجى أخ ووزير
فلا ترى ما ترى من الرونق والطلاوة،
ومن الحسن والحلاوة، ثم إنك تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو
"إذ نبا" على عامله الذي هو "تكون" وإن لم يقل: فلو تكن على الأهواز داري بنحوة إذ نبا دهر
ثم قال "تكون" ولم يقل "كان" ثم أن نكر الدهر ولم يقل "فلو إذ نبا الدهر" ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما
أتى به من بعد. ثم أن قال "ما أنكر صاحب" ولم يقل: وأنكرت صاحباً"، ولا نرى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي
عددته لك تجعله حسناً في النظم، وكله من معاني النحو كما ترى. وهكذا السبيل أبداً في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا
إلى النظم وشرف حيل فيهما عليه" إذاً لكي يكون النظم صحيحاً وبديعاً يجب على الناظم أن يتوخى معاني النحو وأن يلم
بالفروق والوجوه التي من شأنها أن تكون في هذه المعاني وهي فروق دقيقة وخفية. وقد لاحظ الجرجاني أن هذه الفروق
قد تخفى على كثير من الخاصة فضلاً عن العامة. فقد روى حديث الفيلسوف الكندي إلى أبي العباس المبرد واستغرابه من
أن في كلام العرب حشواً فهم يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم فالألفاظ
متكررة والمعنى واحد. فالكندي على سعة اطلاعه لم يلحظ الفروق بين هذه التعابير، وقد أوضح له المبرد ذلك بقوله(18)
"المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ فقولهم: عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم إن عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل.
وقولهم: إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر.(18) فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني".
إن دقائق النحو وفروقه لها دور كبير في إيضاح المعنى المراد وتبيانه وإضفاء الحسن عليه فمثلاً
إن دخول إن على الجملة أو عدم دخولها ليس سواء بنظر الجرجاني ولتوضيح ذلك أورد بيت بشار بن برد
بكرا صاحبي قبل الهجيرِ
إن ذاك النجاح في التبكيرِ
وعلق عليه بقوله(19) "فهل شيء أبين في الفائدة وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل من أنك ترى الجملة
إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟
هذه هي الصورة حتى إذا جئت إلى (أن) فأسقطتها رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه ورأيته
لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول: بكرا صاحبي قبل الهجير فقال النجاح في التبكير ثم
لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانا عليه من الألفة وترد عليك الذي كنت تجد بأن في المعنى".
ولكي يوضح الجرجاني دقائق النظم وأسراره عقد فصولاً تحدث فيها عن المعاني الإضافية الناشئة عن تعلق الكلمات في
العبارة بعضها ببعض وترتيبها وصوغها على نحو خاص فقد تحدث عن التقديم والتأخير، ورأى أنهما في الكلام البليغ،
إنما يكونان لعلل بيانية يقتضيها ترتيب معاني الكلام، وتحدث عن التعريف والتنكير والذكر والحذف والإِظهار
والإِضمار والفصل والوصل والتأكيد والقصر، ومضى يصورها تصويراً مبيناً لتلك المعاني الإضافية التي تنشأ من استخدام
هذه الأساليب استخداماً صائباً وأصيلاً. نفهم من كلام الجرجاني أن بين معاني النحو فروقاً كثيرة ووجوهاً مختلفة،
على الناظم أن يلم بها، وأن يحسن بعد ذلك التخير ضمن دائرة النحو، وأن يتوخى منها الملائم للمقام فليس من فضل
ولا مزية كما يقول(20): "إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني
(أي معاني النحو) سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي
تعمل منها الصور والنقوش في ثوبه الذي نسج من ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها
وكيفية مزجه وترتيبه إياها إلى ما لم يتهدّ إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال
الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو. ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم.".
ليس من شك في أن هذه العبارات وأشباهها التي نقع عليها بكثرة في كتاب دلائل الإِعجاز قد توهم إذا ما سيقت وحدها
أن مفهومه للنظم مفهوم نحوي بحت وأن النظم لا ينمو نمواً حقيقياً في كتابه إلا في ضوء توخي معاني النحو ووجوهه
وفروقه التي تكشف وحدها المعنى وتصفه. ولكننا إذا مضينا نتعقب الجرجاني في تحليلاته اللغوية للكشف عن أبعاد
النظم ورحنا نبحث عن كل ما يعطي صورة كاملة لمدلول النظم وجدناه يحاول أن يثبت أن العمل الأدبي لا يكون إلا بالمعاني
ويؤكد أن النظم لا علاقة له باللفظ وإنما النظم يقتضي المعنى القائم في النفس، ويرتب الألفاظ بحسب ما تترتب هذه المعاني،
فللمعاني الأسبقية، وإليها يرتد التفكير الأدبي، ولا تزيد الألفاظ على أن تكون تابعة للمعاني في مواقعها، ولاحقة بها.
لقد أبعد الجرجاني شبح التفكير اللفظي، فلم يرد المزية في الكلام، كما درج بعض البلاغيين ممن عاصره
كابن سنان الخفاجي المتوفى سنة (466)هـ أو ممن سبقه كالجاحظ وأبي هلال العسكري اللذين أرجعا المزية إلى الألفاظ
مع مراعاة صحة التركيب والسبك. لقد رأى في تفضيل اللفظ وتعظيم شأنه خطأ كبيراً، لأن الألفاظ ليست إلا رموزاً للمعاني
المفردة التي تدل عليها هذه الرموز فالألفاظ سمات لمعانيها وأوضاع تدل عليها(21). ("فكيف يتصور أن تسبق المعاني
وأن تتقدمها في تصور النفس؟ إن جاز ذلك أن تكون أسامي الأشياء قد وضعت قبل أن عرفت الأشياء وقبل أن كانت(22)"
"الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما
بينها فوائد والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها،
لأدى ذلك إلى ما لا يشك به عاقل في استمالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها
حتى كأنهم قالوا: رجل وفرس ودار: لما كان يكون لنا علم بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا: فعل ويفعل: لما كنا
نعرف الخبر في نفسه ومن أصله، ولو لم يكونوا قد قالوا: أفعل: لما كنا نعرف الأمر من أصله ولا نجده في نفوسنا،
وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها فلا نفعل نفياً ولا نهياً ولا استفهاماً ولا استثناء.
وكيف والموافقة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم... ومن هذا الذي يشك أنا
لم نعرف الرجل والفرس والمضرب والقتل إلا من أساميها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل:
أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة(23)." إن الألفاظ ليست المقصودة في ذاتها،
ولم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، فالفكر لا يتعلق بمعاني الألفاظ في أنفسها. وبيّن الجرجاني أن السبب في ظن الناس أن
المعاني هي تبع للألفاظ ما يروه من أن المعاني لا تترتب في النفس إلا بترتيب الألفاظ في السمع "وهذا ظن فاسد ممن يظنه،
فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام والمؤلف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع،
وإذا نظرنا علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتيب فيها تبعاً لترتيب الألفاظ ومكتسباً عنه لأن ذلك يقتضي أن تكون
الألفاظ سابقة للمعاني وأن تقع في نفس الإنسان أولاً ثم تقع المعاني بعدها وتالية لها... وليت شعري هل كانت الألفاظ
إلا من أجل المعاني؟ وهل هي إلا خدم لها، ومعرفة على حكمها؟(24) إذاً الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة
تتبع المعاني في واقعها فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق"(24).
وقد أوضح الجرجاني السبب الذي دعا القدماء إلى إطلاق أحكام أوهمت من يسمع أن المزية للفظ دون
المعنى والحقيقة خلاف ذلك. قال: "لما كانت المعاني إنما تتعين بالألفاظ وكان لا سبيل للمرتب لها
والجامع شملها إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكرة إلا بترتيب الألفاظ في نطقه تجوزوا فكنوا عن ترتيب
المعاني بترتيب الألفاظ بحذف الترتيب ثم اتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض وكشف عن المراد كقولهم
(لفظ متمكن) بنفسها وإنما بموقعها من النظم وطريقة ضم بعضها إلى بعض. وهذا سبب تمايز الكلام وتفاضل البلغاء
فلو كان القصد بالنظم إلى اللفظ وحده لما اختلف حال اثنين في العلم(26) "فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلماً
بأعيانها ثم ترى هذا قد فرع السماك وترى ذاك قد لصق بالحضيض فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ
وإذا استحقت المزية والشرف استحقت في ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك حالها مع أخواتها المجاورة
لها في النظم لما اختلف لها الحال ولكانت إما أن تحسن أبداً أو لا تحسن أبداً"(27).

يتبع







رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 02:39 PM   رقم المشاركة : 4
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

لقد أكد الجرجاني غير مرة أن الفضل والمزية في الكلام لا يعود إلى اللفظ. ولكي يمنح مذهبه هذا تأكيداً أكبر ولكي
يثبته في الأذهان أخذ صوراً مختلفة من الأوصاف التي ترفع من شأن اللفظ ويوصف بها عادة وناقشها وردها إلى المعنى.
فالفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ وجودة السبك ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ إنما هي أوصاف راجعة إلى
المعاني وإلى ما يدل عليها بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها. فإذا قيل: إن الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها أو أن
المعاني كالجواري والألفاظ كالمعارض لها فإنه يقصد بالألفاظ الدلالات الثانية التي تسمى زينة وحلية أو طلاوة أو كسوة
ومن أجل ذلك راح يقتحم على الدوام فكرة المعنى ومعنى المعنى. يقول بعد أن قسم الكلام إلى ضربين: ضرب يفهم غرضه
بدلالة اللفظ وحده وضرب آخر يعرف الغرض منه بأن يعقل السامع من اللفظ المعنى الذي يقتضيه موضعه في اللغة ثم يقضي
هذا المعنى إلى معنى آخر يقول "فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها ويجعلون المعاني كالجواري
والألفاظ كالمعارض لها وكالوشي المحبر واللباس الفاخر والكسوة الرائعة إلى أشباه ذلك مما يفحمون به أمر اللفظ
ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف، فاعلم أنهم يضعون كلاماً قد يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون المعنى أعطاك المتكلم
أغراضه فيه من طريق معنى المعنى فكنى وعرض ومثل واستعار ثم أحسن في ذلك كله وأصاب كل شيء منه
في موضعه وأصاب به شاكلته... فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك
والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني هي التي تكشف تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي.
وكذلك إذا جعل المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة ويبدو في هيئة ويتشكل بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى
الدلالات المعنوية ولا يصلح شيء منه حين الكلام على ظاهره(27)".
وإذا تصورنا المسائل الأخرى التي يجادل فيها عبد القاهر الجرجاني وجدنا معظمها يتأثر بنظريته في المعنى أو النظم.
فالمجاوزان جرى في ظاهر المعاملة على اللفظ بوصفه يقوم على انتقال اللفظ عن موضعه واستعماله غير ما وضع له
فإن الصفة فيه للمعنى ففي قولنا عن الرجل (أسد) لا يقصد أنه في معنى شجاع على الإِطلاق وإنما التجوز هو في أن
ادعينا للرجل أنه في معنى الأسد. فالتجوز مآل الأمر فيه إلى المعنى وحده. والكتابة وإن كانت توهم أن المزية
والحسن فيها يعود إلى اللفظ فإنها تستدل بمعنى على معنى. فإذا وصف أحدهم رجلاً بقوله: هو كثير رماد القدر،
عرفنا أنه أراد أن الموصوف كثير القرى والضيافة فلم نعرف ذلك من اللفظ نفسه وإنما بما أحالنا إليه هذا اللفظ.
أما الاستعارة فهي في رأي الجرجاني تثبت معنى عن طريق المشابهة فالسامع لا يعرف من اللفظ نفسه ولكنه يعرفه من
معنى اللفظ(28) "إنك لا تقول: رأيت أسداً. غلا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساوٍ للأسد في شجاعته وجرأته وشدة بطشه
وإقدامه وفي أن الذعر لا يخامره والخوف لا يعرض له. ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى لم يعقله من لفظ أسد
ولكنه يعقله من معناه، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله أسداً مع العلم أنه رجل إلى أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته
للأسد ومساواته إياه مبلغاً يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة(28)". إن الاستعارة في رأي الجرجاني والكناية والمجاز مدارها
على المعنى وحده. فالمعنى يدرك فيها عن طريق المعقول دون طريق اللفظ.
وإذا ما انتقلنا مع الجرجاني لنتصور الأمر في التمثيل وجدنا أنه أظهر. فالمعنى المراد لا يعرف عن طريق اللفظ وإنما
يعرف من مجموع المعاني. فالمغزى من قول يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته "أما بعد
فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى إذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت والسلام(29)" هو التردد بين الأمرين وترجيع
الرأي فيهما وأن هذا المعنى لا يعرف من لفظ التقديم والتأخير أو من لفظ الرجل، وإنما يتأتى من المعاني الحاصلة من
مجموع الكلام التي هي أدلة على الأغراض والمقاصد.
ويقال مثل ذلك في الفصاحة بوضعها طريقة في إثبات المعنى أو باعتبارها وضعاً تجب للكلام من أجل مزية تكون في معنا
وأنها لا تكون وضعاً له من حيث اللفظ مجرداً من المعنى "إن الذي هو معنى الفصاحة في أصل اللغة هو الإبانة عن المعنى
بدلالة قولهم فصيح وأعجم، وقولهم: أفصح الأعجمي، وفصح اللحان، وأفصح الرجل بكذا: إذا صرح به وأنه لو كان وصفهم
الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هولها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان لوجب إذا وجدت كلمة يقال أنها كلمة فصيحة
على صفة في اللفظ أن لا توجد كلمة على تلك الصفة إلا وجب لها أن تكون فصيحة(30).".
إن فضائل هذه الظواهر جميعاً، ليست لفظية، بل معنوية، وهي قادرة إذا أحسنا تلمس السبيل إليها، أن تعبر عن دلالات هامة،
عميقة الجذور، في تشكيل المعنى الأدبي. لقد جند الجرجاني كل قواه وإمكاناته ومعارفه، لكي يحطم صنم اللفظية،
ويقضي على ذلك التعلق الغريب بالشكل العاري من المعنى. ولكي يمنح دعواه كل مقومات التأييد فقد ألم ببعض الظواهر
كالسرقات والإيجاز والمعارضة والتفسير الأدبي لظنه أنها تؤلف مادة خصبة في فهم مشكلة المعنى، ووجد فيها متسعاً لتوضيح
مفهومه. فالسرقة عنده مدارها المعنى فاللفظ لا يسرق وحده، وإنما يسرق المعنى بالضرورة. والإيجاز في رأيه ينبع من
اعتبار خاص لمعنى اللفظ، فالمعاني لا تكثر ولا تقل "لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتميز على الجملة عما أراده واضع
اللغة(31)" وهذا رأي يدفعه إلى القول بدلالة المعنى على المعنى "فالمتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد
لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير(32)". وفي هذه المعارضة يتجه المعارض إلى الأوصاف التي ترجع
إلى جهة المعنى فيعارضها. فليس للألفاظ. من حيث هي ألفاظ مجردة، نصيب في المعارضة بوجه من الوجوه.
لم يترك الجرجاني فرصة إلا وأكد فيها على تبعية الألفاظ للمعاني وخدمتها لها حتى ليتوهم المرء أنه من أنصار المعنى
بشكل مطلق. ولكن الأمر خلاف ذلك فكما عاب اللفظيين عاب من أقلوا الاحتفال باللفظ حتى أنهم لم يعطوه إلا ما فضل عن المعنى.
وقد حذر الناس من هذا الاتجاه لأنه يفضي بهم إلى إنكار إعجاز القرآن من حيث لا يعلمون لأنه في هذه الحالة تستوي الآية
القرآنية مع تفسيرها "اعلم أن الداء الدوي والذي أعيي أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفاظ
باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فضل عن المعنى(33)" "واعلم أنا وإن كنا إذا تبعنا العرف والعادة
وما يهجس في الضمير وما عليه العامة أرانا ذلك أن الصواب معهم وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعاني وأنه
الذي لا يسوغ القول بخلافه فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وإلى ما عليه المحصلون لأنا نرى متقدماً في علم
البلاغة مبرزاً في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ويزري على القائلين به ويفضي منه"(34) "واعلم أنهم لم يبلغوا
في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم ويفضي منه بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر،
وذلك انه إذا كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يحب فضل ومزية إلا من جانب المعنى وحتى يكون قد قال حكمة أو أدباً
واستخرج معنى غريباً أو شبيهاً نادراً فقد وجب إطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف
وبطل أن يحب بالنظم فضل وأن تدخله المزية وأن تتفاوت فيه المنازل. وإذا بطل ذلك فقد بطل أن يكون في الكلام معجز وصار
الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب ودخل في مثل تلك الجهالات".
إذاً لم يكن الجرجاني من أنصار اللفظ، أو المعنى بشكل مطلق، ولم يرد المزية في الكلام إلى أحدهما بمفرده،
بل رد المزية إلى النظم الذي هو سر بلاغة الكلام. إن طريقة تأليف الكلام وإثباته وفق العلاقات النحوية الدقيقة،
هي التي تميز الكلام وتكشف عن قوته وعن إمكاناته الثرة. ولذا فالجرجاني لا يهتم بالمعنى الغفل، المعنى الخام،
بل ينصب اهتمامه على المعنى الذي يستقر في النفس عن طريق نظمه الخاص. عن طريق صورة المعنى لا المعنى مجرداً من الصورة.
إن "سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي كالخاتم والشنف والسوار فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلاً ساذجاً
لم يعمل منه صانعه شيئاً أكبر من أن يأتي بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتماً والشنف إن كان شنفاً
وأن يكون مصنوعاً بديعاً قد أغرب صانعه فيه كذلك سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلاً ساذجاً عامياً موجوداً في كلام
الناس كلهم، ثم تراه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وأحداث الصور في المعاني فيصنع منه ما يصنع الحاذق حتى
يغرب في الصنعة ويدق في العمل ويبدع في الصياغة". وعلى الرغم من أن الجرجاني يرى أن الاستعارة والكناية والتمثيل
وسائر ضروب المجاز هي من مقتضيات النظم وأن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأن للاستعارة مزية
وفضلاً، وأن المجاز أبلغ من الحقيقة، على الرغم من ذلك فهو يرى، أن البلاغة لا تتحقق عن طريق الكناية والاستعارة
والمجاز في أنفسها، بل عن طريق إثبات المتكلم لها وتقريره إياها "فليست المزية في قولهم: حمُّ الرماد.
أنه دل على قرى أكثر بل أثبت له القرى الكثير من وجه هو أبلغ وأوجبته إيجاباً هو أشد، وادعيته دعوى أنت بها أنطق،
وبصحتها أوثق وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك: (رأيت أسداً) على قولك رأيت رجلاً لا يتميز عن الأسد في شجاعته
وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته الأسد، بل أنك أفدت تأكيداً وتشديداً وقوة في إثباتك له هذه المساواة
وفي تقريرك لها(36)". ويسوق الجرجاني أمثلة عديدة ليطبق عليها نظريته ويبرز صحة دعواه.

يتبع







رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 02:42 PM   رقم المشاركة : 5
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

فالاستعارة من قول الشاعر
سالت عليه شعاب الحي حين دعا
أنصاره بوجوه كالدنانير
على لطفها وغرابتها "أنها تم لها الحسن وانتهى بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير وتجدها قد ملحت
ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارّين والظرف فأزل كلاً منهما عن مكانه الذي وضعه
الشاعر فيه فقل: سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره ثم انظر كيف يكون الحال وكيف يذهب
الحسن والحلاوة وكيف تعدم أريحيتك التي كانت وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها(37)". والذي يثبت أيضاً أن الاستعارة
لا تستحق المزية بنفسها بل طريقة نظمها وإحكام تأليفها أننا نجد كما يقول الجرجاني اللفظة المستعارة قد
استعيرت في عدة مواضع إلا أن لها بعض الموضع من الملاحة ما لا نجده في غيرها. مثال ذلك لفظ الجسر في قول أبي تمام:
لا يطمع المرء أن يجتاب لجته
بالقول ما لم يكن جسراً له العملُ
وقوله:
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها
تنال إلا على جسر من التعبِ
ففي استعارة البيت الثاني من الحسن واللطف والتأثير في النفس ما لا نراه في البيت الأول. لقد كان هم الجرجاني الأول
هو تأصيل مفهوم النظم ولذلك راح يبين الاختلافات التي تحدثها أمكنة الكلمات وصياغتها فقد قارن مثلاً بين قوله تعالى
(واشتعل الرأس شيباً) (واشتعل شيب الرأس) (واشتعل الشيب في الرأس) وألح على أن بحث الاستعارة هنا يجب أن يتم في
ضوء تنظيم الكلمات وطريقة تأليفها وربطها. ففي الآية مزية لا ترجع إلى مزية المعنى أو الاستعارة و "إنما تدخل على
النفوس بأن يسلك بالكلام ما يسند الفعل فيه إلى الشيء. وهو لما هو من سببه فيرفع به ما يسند إليه ويؤتي بالذي
الفعل له في المعنى مغصوباً بعده مبيناً أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني.
ولما بينه في الاتصال والملابسة. وفي الآية شيء آخر من جنس النظم وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة
من غير إضافة وهو أحد ما أوجب المزية. ولو قيل: واشتعل رأس، فيصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن".
لقد عمل الجرجاني على تصحيح المفهوم المتوارث للعبارة الأدبية وراح يحضّ الباحثين على أن يعيدوا قراءة التشكيل
النحوي للعبارة الأدبية في ضوء فكرة النظم. ورأى أن الذوق هو الفيصل الأخير في عملية إدراك دقائق النظم ومزاياه.
يقول: "اعلم أنك لن ترى عجباً أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم، وذلك لأنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا
وهو يعلم أن ههنا نظماً أحسن من نظم، ثم تراهم إذا أردت أن تبصرهم ذلك، تسدد أعينهم وتعضل عنهم إفهامهم وسبب ذلك
أنهم أول شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئاً غير توخي معاني النحو. وجعلوه يكون من الألفاظ دون المعاني
فأنت تلقي الجهد حتى تحيلهم عن رأيهم لأنك تعالج مرضاً مزمناً متمكناً. ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف بأنه
لا معنى له غير توخي معاني النحو، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم، وذلك أنهم يروننا
ندعي المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شيء يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به.
ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شيء نزعم أن من شأن هذا أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه،
بل يروننا ندعي المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه في موضع دون موضع. وفي كلام دون كلام...
والداء في هذا ليس بالهين، ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مسعفاً، والسعي منحماً.
لأن المزايا التي تحتاج أن نعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أموراً خفية ومعانٍ روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه
السامع لها وتحدث لها علماً بها حتى يكون مهيئاً لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما
في نفسه إحساساً من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر
فرق يبين موقع شيء منها وشيء. ومن إذا أنشدته قول أبي نواس:
ركب تساقوا على الأكوار بينهم
كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي
كأن أعناقهم والنوم واضعها
على المناكب لم نعمد بأعناق

أنق لها وأخذته الأريحية عندها... وأنت تقول في محاجتك على استشهاد القرائح وسبر النفوس وقليها".


لقد برع الجرجاني في تحليل العبارات وكشف دقائق معانيها ووصل إلى نتائج هامة في تكيف الكلمات وتفاعلها وارتباط بعضها
وأثر ذلك في جمال الكلام. إلا أنه أهمل جانباً هاماً وحيوياً في العمل الأدبي وهو الجانب الصوتي أو الموسيقي فلم ير أن
الإيقاع الموسيقي للكلمات وحروفها يمكن أن يؤثر في روح المعنى ويمد طاقته. أن المتعة التي يجنيها السامع للشعر
أو العبارات ذات إيقاع أو ذات جرس موسيقي تؤثر تأثيراً كبيراً في المعنى وطريقة إيصاله وتمكنه من نفس السامع.‏
لقد خيل للجرجاني أنه باستطاعته دراسة نظام الكلمات بمعزل عن موسيقاها ولذلك هوت بين يديه عناصر كثيرة ذات قيمة
موسيقية ومعنوية. إننا إذا تأملنا مثلاً قوله تعالى (فإذا بَرِق البصر. وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، يقول الإِنسان
يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر، يُنبَأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر. بل الإنسان على نفسه بصيرة.
ولو ألقى معاذيره((39) وجدنا أن لموسيقى الفاصلة ولموسيقى الكلمات دوراً كبيراً في إشاعة جو الرهبة المصاحب ليوم
القيامة. إن هذه الموسيقى التصويرية تشعرنا بالخوف والرهبة والقلق والجلال بالإضافة إلى الامتناع. فمعنى الآية لم
يكن ليصل إلى القارئ بهذه القوة بمعزل عن هذه الموسيقى الرائعة.‏

وإذا كان الجرجاني قد أهمل الجانب الموسيقي في تقويم العمل الأدبي فهذا لا يغض من شأن نظريته. لقد استطاع بنظريته
هذه أن يفتح فتحاً جديداً في النقد العربي وأن يوجه الأذهان إلى نمط جديد من التذوق للعمل الأدبي وتحليله.
ولو سار نقادنا بعده على هدي نظريته هذه لربما تغيرت ملامح كثيرة في أدبنا ونقدنا. ولكن لسوء الحظ لم يُفهم منهج
الجرجاني على وجهه ولا استغل كما ينبغي فقد غلب تيار البديع تيار المعاني.‏
لقد تسلم الزمخشري ـ الذي ولد قبل وفاة الجرجاني بأربع سنوات ـ إرث الجرجاني الضخم وراح يتم رسالته في شرح أسرار
الإعجاز القرآني وجمال البيان فسار على منهجه "في تحليلاته العقلانية الذوقية وتطيبقاته البلاغية حتى قيل إن الزمخشري
متمم لعمل الجرجاني في البلاغة(40)" فالبلاغة عند "كل منهما لم تكن بلاغة جافة، قائمة على الحدود والتعريفات،
وإنما كانت بلاغة تطبيقية، تحيا في النماذج البليغة وتلتصق بالنصوص الأدبية(41)". أما البلاغيون الذين جاؤوا بعد
الزمخشري فقد ابتعدوا عن منهج الجرجاني فأصبحت البلاغة على أيديهم جافة خالية من نبض الحياة. لقد كانت البلاغة
"جمالاً يدرك بالذوق، فأصبحت على أيديهم أحكاماً أو معارف صاغوها في حدود وتعريفات... ولعلنا لا نغالي إذا قلنا
إنه لم يأتِ بعد عصر الجرجاني والزمخشري من فهم البلاغة فهمها إياها(42)". فالسكاكي صاحب (مفتاح العلوم) أتم ما
بدأه الفخر الرازي من تعقيد البلاغة وتقسيمها وتفريعها. أما المؤلفات البلاغية التي تلت زمن السكاكي فقد كانت جميعها
تدور في فلك (مفتاح العلوم) فقد ظهرت حوله كتب عديدة تشرحه وتلخصه وتهذبه.‏
وقد اختار الناس هذه الكتب المجدبة القاحلة على كتب الجرجاني فكانت محنة الأدب العربي. وقد بقيت هذه الكتب مسيطرة
زمناً طويلاً. بل ما زالت إلى الآن تحظى ببعض السيطرة. لقد بقيت نظرية الجرجاني مهملة لا ينظر إليها حتى جاء
الإمام الشيخ محمد عبده فأخرج كتاب دلائل الإعجاز إلى النور بعد أن عني بتصحيحه عام (1320هـ) فقدم بذلك خدمة جليلة للمكتبة العربية. واليوم يزداد الاهتمام بآراء الجرجاني اللغوية والبلاغية وخاصة نظرية النظم. وقد أجمع معظم الباحثين على عظمة الجرجاني وجلال نظريتهِ وأهميتها. إلا أن جميع الدراسات التي استطعت مطالعتها لم تكن بمستوى هذه النظرية ولم توظفها لخدمة الأدب العربي الحديث. لقد رأينا المؤلفين يجمعون شتات النظرية من كتاب دلائل الإعجاز ـ وأحياناً دون تنظيم ـ ويشرحون ويفسرون جوابها دون أن ينطلقوا إلى بحث إمكانية تطبيقها على أدبنا الحديث على الرغم من تأكيدهم على أنها تلتقي مع أحدث النظريات اللغوية في العالم. فالدكتور محمد مندور يرى أن "مذهب عبد القاهر الجرجاني أصح وأحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوربا لأيامنا هذه(43)". وقد قارن الدكتور جعفر دك الباب نظرية الجرجاني بنظرية القواعد التحويلية التوليدية لتشومسكي وبالنظرية البنيوية الوظيفية لماتيزيوس ورأى أن "النظرية اللغوية التي وضعها الإمام عبد القاهر الجرجاني في القرن الحادي عشر الميلادي قد جاءت بنفس الأسس التي تقوم عليها نظرية القواعد التحويلية التوليدية وأرست كذلك نفس الأسس التي تقوم عليها النظرية البنيوية الوظيفية. وتتميز نظرية الجرجاني اللغوية فوق ذلك بأنها تجمع وتوحد في نظرية واحدة بين نظرية القواعد التحويلية وبين النظرية البنيوية الوظيفية. وهذا ما تسعى إليه أحدث الدراسات اللغوية في السنوات الأخيرة.(44)".‏



الخاتمة:‏
نخلص من كل ما تقدم إلى أن الجرجاني استطاع أن يأتي بنظرية متكاملة تضاهي أحدث النظريات اللغوية في النصف الثاني من القرن العشرين. وأن هذه النظرية كفيلة إذا ما بسطت وشرحت أن تبعد الجفاف عن بلاغتنا العربية وأن تقربها من نفوس دارسيها وأخيراً نستطيع إجمال نظرية الجرجاني بما يلي: الألفاظ هي وحدات اللغة وهي رموز للمعاين لا تتفاضل في ذاتها وإنما يكون لها الفضل من حيث دلالتها على المعنى ومن حيث موقعها من النظم وكل ما يمكن أن يقال في تفاضل الألفاظ المفردة، أن تكون مألوفة أو غريبة وحشية. والنظم يكون بحسب المعاني، وهو متوقف على التركيب النحوي فالكلام يجب أن يوضع الوضع الذي يقتضيه علم النحو. ولا يكفي الناظم أن يكون عالماً بقوانين النحو ومعانيه وإنما يجب أن يكون عالماً بمواضعها ووجوهها والفروق بينها فالفضل والمزية يعود إلى حسن التخير في دائرة حدود النحو، وإلى اهتداء الناظم إلى الأفضل فالأفضل.‏
أما الاستعارة والكناية وسائر ضروب المجاز فهي من مقتضيات النظم لأنه يمكن أن يدخل شيء فيها في الكلام المفرد. فالمزية لا تكون في الألفاظ من حيث هي ألفاظ مفردة ولا في المعاني الخام وإنما في الصورة التي يرسمها النظم بما يقوم عليه من معاني النحو المتخيرة، فصورة المعنى هي وجه المفاضلة بين كلام وكلام آخر.‏
إن نظم المعاني في النفس هو أساس نظم الألفاظ على اللسان وما دامت المعاني هي المستدعية للألفاظ ونظمها على شكل معين كانت له كل فضلة في النظم وكل إعجاز أساسهما نظم المعنى أو صورة المعنى في النفس.‏

يتبع







آخر تعديل نوف الثبيتي يوم 06-28-2010 في 02:47 PM.

رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 02:45 PM   رقم المشاركة : 6
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

المصادر والمراجع:‏

ـ دلائل الإعجاز، الجرجاني، طبع دار المعرفة ـ بيروت عام 1981م.‏
ـ نظرية النظم، د. حاتم ضامن.‏
ـ نظرية عبد القاهر في النظم، د. درويش الجندي.‏
ـ الموجز في تاريخ البلاغة، د. مازن المبارك.‏
ـ البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف.‏
ـ الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني، د. جعفر دك الباب.‏
ـ النقد المنهجي عند العرب، مترجم عن الأستاذين لانسون وماييه، د. محمد مندور.‏
ـ كتب التراجم:‏
ـ بغية الوعاة "ج2" السيوطي.‏
ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب "ج3" ابن عماد الحنبلي.‏
ـ نزهة الألباء في طبقات الأدباء، الأنباري.‏
ـ معجم المؤلفين جزء "5" محمد رضا كحالة.‏
حواشي المقال:‏
(1) نظرية عبد القاهر في النظم للدكتور درويش الجندي ص22.‏
(2) المصدر نفسه ص23.‏
(3) دلائل الإعجاز ص4، 5، 6،‏
(4) دلائل الإعجاز ص7.‏
(5) نظرية النظم د. حاتم ضامن ص6، 7.‏
(6) المصدر نفسه ص9.‏
(7) عن البلاغة العربية تطور وتاريخ للدكتور شوقي ضيف ص109.‏
(8) عن الموجز في تاريخ البلاغة د. مازن المبارك ص43.‏
(9) عن نظرية النظم د. حاتم ضامن ص14.‏
(10) عن البلاغة تطور وتاريخ د. شوقي ضيف ص116، 117.‏
(11) النقد المنهجي عند العرب. مترجم عن الأستاذين لانسون وماييه. د. محمد مندور ص336.‏
(12) دلائل الإعجاز ص.‏
(13) المصدر نفسه ص40.‏
(14) دلائل الإعجاز ص64، 65.‏
(15) المصدر نفسه ص65.‏
(17) دلائل الإعجاز ص 68-69.‏
(18) دلائل الإعجاز ص 242.‏
(19) دلائل الإعجاز ص243.‏
(20) دلائل الإعجاز ص69، 70.‏
(21) دلائل الإعجاز ص320.‏
(22) المصدر نفسه ص415، 416.‏
(23) المصدر نفسه ص320.‏
(24) المصدر نفسه ص43.‏
(25) دلائل الإعجاز ص51.‏
(26) دلائل الإعجاز ص39، 40.‏
(27) دلائل الإعجاز ص203، 204.‏
(28) دلائل الإعجاز ص331.‏
(29) المصدر نفسه ص338.‏
(30) المصدر نفسه ص353.‏
(31) دلائل الإعجاز ص357.‏
(32) المصدر نفسه ص.‏
(33) المصدر نفسه ص194.‏
(34) المصدر نفسه ص195.‏
(35) المصدر نفسه ص198.‏
(36) دلائل الإعجاز ص56، 57.‏
(37) المصدر نفسه ص78.‏
(38) دلائل الإعجاز ص79.‏
(39) المصدر نفسه ص418، 419، 420، 421.‏
(40) من سورة القيامة.‏
(41) الموجز في تاريخ البلاغة للدكتور مازن المبارك ص107.‏
(42) المرجع نفسه ص107.‏
(43) المرجع نفسه ص109.‏
(44) النقد المنهجي عند العرب ص334.‏
(45) الموجز في شرح دلائل الإعجاز ص123.‏


إيمان القاضي ـ مجلة الموقف الأدبي







رد مع اقتباس
قديم 06-28-2010, 11:00 PM   رقم المشاركة : 7
زهرة البستان
مشرفة أوفازية سابقة






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي


أحسن الله إليك يا نوف ومتعك بالعلم وفهمه
ونظرية النظم ممتعة جدا ومهمة للدارس العربي ولكل من يريد فهم بلاغة القرآن الكريم وقد استعمل عبد القاهر كلام العرب لأن القرآن الكريم مبني على أساليب العرب وهناك كتب تناولت النظرية بالشرح منها كتاب د. محمود توفيق ود. نجاح الظهار ود. محمد شادي له كتاب في شرح الدلائل, ود. محمد مندور أورد مقالات في نظرية النظم وتحدث عن الأساس العام الذي بنى عليه عبدالقاهر تفكيره اللغوي ووضح منهجه في تحليل اللغة والتقاء فلسفته اللغوية بمدرسة الفرنسي سوسير في كتابه ( في الميزان الجديد) وذكر الدراسة مرة أخرى في كتابه ( النقدالمنهجي عند العرب) معروضة في سياق مقارنة بين منهج عبدالقاهر العملي ومناهج النقد النظرية عند من سبقه من النقاد, وغيرها
أكرر شكري للغيمة نوف







التوقيع :
يَا عِطْرُ خَيِّمْ عَلَى الشُّبَّاكِ وانْسَكِبِ!



رد مع اقتباس
قديم 06-29-2010, 03:06 PM   رقم المشاركة : 8
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زهرة البستان مشاهدة المشاركة
أحسن الله إليك يا نوف ومتعك بالعلم وفهمه
ونظرية النظم ممتعة جدا ومهمة للدارس العربي ولكل من يريد فهم بلاغة القرآن الكريم وقد استعمل عبد القاهر كلام العرب لأن القرآن الكريم مبني على أساليب العرب وهناك كتب تناولت النظرية بالشرح منها كتاب د. محمود توفيق ود. نجاح الظهار ود. محمد شادي له كتاب في شرح الدلائل, ود. محمد مندور أورد مقالات في نظرية النظم وتحدث عن الأساس العام الذي بنى عليه عبدالقاهر تفكيره اللغوي ووضح منهجه في تحليل اللغة والتقاء فلسفته اللغوية بمدرسة الفرنسي سوسير في كتابه ( في الميزان الجديد) وذكر الدراسة مرة أخرى في كتابه ( النقدالمنهجي عند العرب) معروضة في سياق مقارنة بين منهج عبدالقاهر العملي ومناهج النقد النظرية عند من سبقه من النقاد, وغيرها
أكرر شكري للغيمة نوف
أهلا أستاذتي بسمة:
أتذكرين ذاك النقاش عن النقد؟ بعده بحثت كثيرا عن نظرية النظم و هذا البحث مما وجدته فأعجبني فأحضرته هنا.
و الكتب التي ذكرتي سأبحث عنها و سأقرأها بإذن الله.
و شرح الأستاذ: محمد توفيق رائع. لم أفرغ منه لأنني أعيد القراءة مأخوذة بجمال الشرح!
جزاك الله كل خير، و رزقكِ من حيث لا تحتسبين.






رد مع اقتباس
قديم 06-29-2010, 06:10 PM   رقم المشاركة : 9
أمل محمد
أوفازي نشيط





 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي


نظرية النظم تدل على شدة الارتباط بين البلاغة و النحو ، و أن العلوم تكمل بعضها البعض .
كما تدل النظرية على الاهتمام بالتفصيل و التعليل .
شكرًا نوف الثبيتى فقد استفدت كثيرًا من منقولك .
جزاك الله خيرًا .
و بارك الله فيك .







رد مع اقتباس
قديم 06-30-2010, 03:11 PM   رقم المشاركة : 10
نوف الثبيتي
أوفازي قدير
 
الصورة الرمزية نوف الثبيتي






 

الحالة
غير موجود
افتراضي رد: نظرية النظم للإِمام عَبد القاهر الجرجاني .. إيمان القاضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمل محمد مشاهدة المشاركة
نظرية النظم تدل على شدة الارتباط بين البلاغة و النحو ، و أن العلوم تكمل بعضها البعض .
كما تدل النظرية على الاهتمام بالتفصيل و التعليل .
شكرًا نوف الثبيتى فقد استفدت كثيرًا من منقولك .
جزاك الله خيرًا .
و بارك الله فيك .
و شكرا لحضورك و إضافتك الجميلة.
وفقكِ الله، و جزاكِ كل خير .






رد مع اقتباس
إضافة رد


 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضوعات جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



اشتراك في مجموعة أوفاز الأدبية
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

الساعة الآن 09:18 PM


Powered by vediovib4; Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات